جمال الدين الأفغاني: سِيرَة
ولد: أغسطس 1838م، بلدة أسد آباد غربي العاصمة الأفغانية كابول
توفي: مارس 1897، إسطنبول، تركيا
جمال الدين الأفغاني، المولود في أغسطس 1838 بأسد أباد، كان مفكرًا وناشطًا سياسيًا وأحد رواد النهضة الإسلامية والإصلاح. نشأ في كابول وتعلم العربية والفارسية، ودرس الشريعة والصوفية والمنطق والفلسفة والرياضيات، أتم دراسته في الثامنة عشرة ثم سافر إلى الهند لدراسة العلوم العصرية، عاد إلى أفغانستان وعُيّن في وظيفة حكومية، ثم واصل تعليمه في طهران وكربلاء والنجف. تنقل بين عدة دول، منها الهند ومصر وباريس ولندن وتركيا. كتب جمال الدين كتاب “الرد على الدهريين” باللغة الفارسية خلال فترة إقامته في حيدر آباد وكذلك كتاب “تتمة البيان في تاريخ الأفغان” الذي تم طباعته في مصر. وأقام في تركيا بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني، وبقي فيها حتى وفاته في إسطنبول عام 1897م. خلال إقامته في مصر نشر أفكاره الإصلاحية عبر الدروس والمحاضرات حتى لُقب بـ “رجل الشرق الحكيم”.
عُيّن الأفغاني عضوًا في مجلس المعارف الأعلى في الأستانة وتقع في كازاخستان، لكنه واجه معارضة هناك، فانتقل إلى مصر حيث قوبل بالترحيب والتف حوله العديد من الناس، خاض السياسة المصرية ودعا إلى تنظيم الحكم، وحذر من تدخلهم في شؤون البلاد، مما أثار قلق السلطات، خاصة بسبب عدائه العلني للإنجليز، إذ رأى فيهم قوة استعمارية تسعى لإذلال المسلمين واستغلال ثرواتهم، امتد نشاطه المعادي لبريطانيا إلى الهند، حيث حرّض المسلمين هناك على الثورة ضد الاحتلال البريطاني، ما جعله هدفًا لمراقبة المخابرات البريطانية، كما كان يدعو إلى وحدة إسلامية لمواجهة الاستعمار، معتبرًا أن البريطانيين يستغلون الفرقة بين المسلمين لترسيخ سيطرتهم، نتيجة لذلك تعرض للاعتقال والتضييق أثناء وجوده في لندن، وحاولت السلطات البريطانية تشويه سمعته.
تُعد قضية فهم الدين الإسلامي من القضايا المستمرة والمتجددة التي تفرض نفسها على أبناء الأمة الإسلامية في مجتمعاتنا المعاصرة. الفهم السليم للدين يعيد بث الأمل في الأمة ويعزز انتماءها، مما يساهم في تقوية الروابط وتوثيقها، ويتصل فهم الدين بتوجيه الأنظمة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والتعليمية بطريقة تحقق أهداف المجتمعات الإسلامية في النمو والتطور. كما أن ربط الأمة بتاريخها يمكن أبناءها من بناء وعي نقدي وفهم متعمق لمتغيرات الحاضر، مما يساعدهم على الاستعداد للمستقبل في ظل هذه التغيرات المتسارعة.
فتقوم دعوة الأفغاني على توحيد العالم الإسلامي في مواجهة التعصب الغربي، فلم يكن معاديًا للمسيحية كدين بل انتقد استغلالها سياسيًا التي تتحد ضد الإسلام وتسعى لإذلال المسلمين لذا شدد على ضرورة الاتحاد الإسلامي للدفاع عن الهوية الإسلامية والكرامة الوطنية والحضارية. و تمكن الأفغاني من التأثير في الرأي العام من خلال تشجيع تلاميذه على تأسيس الصحف، وإلقاء المحاضرات، وكتابة المقالات التي تثير الوعي العام تنتقد الاستبداد وتنشر مبادئ الحكم الدستوري. مما جعله مؤثرًا في تشكيل الوعي السياسي الإسلامي.
أثارت مقالات الأفغاني غضب الإنجليز والحكام في مصر، وعندما تولى الخديوي توفيق الحكم، أخرجه من البلاد فانتقل إلى الهند في 1879م. بعد ثماني سنوات في مصر انتقل إلى لندن وفي باريس التقى الأفغاني مع الشيخ محمد عبده وأطلقوا معًا جريدة “العروة الوثقى” لكنها توقفت بسبب منع صدورها في مصر والسودان والهند. ورغم ذلك استمر الأفغاني في الكتابة حيث أصبحت صحف باريس لمقالاته السياسية المنتقدة. هدفت هذه الجريدة إلى إنهاض العالم الإسلامي و تبصيره بمخاطر الاحتلال، ويوضح المقال أن الاسلام قد أنشأ الامة بعد أن لم تكن موجودة وأقام لها بنيانًا معنويًا وماديًا جعلها صاحبة المكانة بين الأمة. ويبدأ المقال بتساؤل عام، لكنه يقصد به أمة الإسلام وما أحدثه الإسلام في حياتها من نقلات معنوية ومادية. أشار المقال إلى أمر مهم وهو أنه لا يمكن تعيين الدواء إلا بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه؛ ولا يمكن الوصول إلى حقيقة المرض في الأمة وعلله وأسبابه، وثمة اتجاهين أساسيين تدور عليهما محاولات الإصلاح:
الاتجاه الأول: هو العمل الفكري والثقافي، من خلال نشر الجرائد ( باعتبارها المنفذ الثقافي الأساسي ) لأنها تكفل إنهاض الهمم، وتنبيه الأفكار، وتقويم الأخلاق.
الاتجاه الثاني: فهو نقل العلوم ونشر المعارف، وعلاج الأمة الناجح يكون برجوعها إلى قواعد دينها. الأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته. إرشاد العامة ومواعظه الوافية، بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق. إيقاذ نيران الغيرة وبيع الأرواح لشرف الأمة.
ركز الأفغاني في مقاله على فكرة الإصلاح في العالم الإسلامي من خلال جريدته “العروة الوثقى” هدف المقال إلى النهضة و التبصير بمخاطر الاحتلال، مشيرًا إلى أهمية العودة إلى الأسس الدينية والثقافية للإصلاح، كما أكد على دور الصحافة كأداة رئيسية للنهضة الفكرية والأخلاقية، وأوضح ضرورة العودة إلى تعاليم الإسلام من أجل إصلاح الأمة. وأبرز أن الإصلاح ليس أمرًا معقدًا بل يتطلب نفخة واحدة تؤثر في الأرواح وتحيي الأمة في أقرب وقت. وبين أنه من يطلب الإصلاح ولا يبدأ من القواعد الصحيحة، فإنه لن يحقق التغيير المطلوب بل سيزيد الأمة تدهورًا وتعاسة، مؤكدًا أن إصلاح التربية والنظام يجب أن يبدأ من الأسس السليمة لضمان النجاح.
يمكن القول إن جريدة “العروة الوثقى” التي أسسها الأفغاني ومحمد عبده كانت بمثابة صرخة نهضوية تهدف إلى إعادة بناء الأمة الإسلامية على أسس ثقافية ودينية متينة، وتبصيرهم بمخاطر الاحتلال الغربي، ورغم التحديات التي واجهتها الجريدة، إلا أن رؤى الأفغاني حول الإصلاح وما طرحه من أفكار حول العودة إلى الدين كمنهج للإصلاح ما زالت حيوية وملهمة حتى يومنا هذا. كان التأكيد على العودة إلى التعاليم الإسلامية وتطوير الفكر الثقافي والأخلاقي هو الأساس الذي اعتبره الأفغاني خطوة أولى نحو استعادة قوة الأمة. وفي النهاية تظهر أهمية إعادة قراءة هذه الرؤى وفهمها في معالجة قضايا العالم الإسلامي في الوقت المعاصر.
توفي جمال الدين الأفغاني في مارس 1897 وسط جدل حول سبب وفاته. يرى البعض أنه توفي بسبب سرطان الحلق، بينما يعتقد آخرون ومنهم ابن أخته ميرزا لطف الله خان، أنه قُتل بالسم على يد الحكومة الإيرانية بعد رفض الدولة العثمانية تسليمه لها.12345
المصادر:

